قرية نعليا التي كانت تقع على بعد ثلاثة كيلو مترات الى الجنوب الغربي من المجدل، شمال قطاع غزة حالياً، إحدى هذه القرى التي عملت سلطات الاحتلال على تشريد أهلها وتدمير سكانها، ودمجها في محيط عمراني جديد في محاولة لتغيير وتزييف الواقع الجغرافي والتاريخي.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تحاول تسليط الضوء على المخططات الحضرية للقرى الفلسطينية المدمرة في فلسطين، من خلال محاولة استعادة المخطط الحضري لقرية نعليا وبيان تأثيره على مختلف نواحي الحياة فيه، سيما وأنه من المعروف أن نمط الاستيطان الريفي هو نتيجة لسلسلة من الثوابت البيئية، وعوامل أخرى متداخلة قد يكون من أهمها ضغط السكان على الأرض، والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة.
التخطيط العمراني للقرى الفلسطينية المدمرة قبل عام 1948م
نعليا دراسة حالة
تمهيد:
تشكل المحافظة على الذاكرة الوطنية بجميع أبعادها ومضامينها جزءا أساسيا من الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، التي تتعرض لمحاولات متواصلة من قبل جهات متعددة، لطمس هذه الهوية وتقزيمها وتشويها.
وتتزامن هذه المحاولات مع استمرار المساعي التي تقوم بها سلطات الاحتلال الاسرائيلي لتهويد الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، استمراراً لمسلسل التهويد الذي بدأته في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1948، والذي تضمن في حينه تشريد مئات آلاف المواطنين الفلسطينيين من مدنهم وبلداتهم وقراهم، وتدمير مئات القرى الفلسطينية، والعمل على طمس وتدمير جميع مظاهرها التاريخية والجغرافية والأثرية.
وتعتبر القرى الفلسطينية المدمرة تراثاً ثقافياً وحضارياً سعت وما زالت إسرائيل إلى حجب المعلومات عن هذه القرى، ومحاولة إخفاء ما يمكن إخفاءه من آثارها ونمط أبنيتها ومورفولوجيتها وطريقة تصميمها، وبالتالي استبدالها بما هو حديث، والهدف تزييف ما يصعب تزييفه ( التاريخ والجغرافيا).
وتشكل الثقافة التاريخية احد أهم خصوصيات الشعب الفلسطيني فالبعد التاريخي الخاص بالقضية الفلسطينية فيما يتعلق بالتهجير من أشهر ما عرف به الفلسطينيين، واعترافا بأهمية تكريس البعد التاريخي ودمجه بالجغرافيا تأتي هذه الدراسة لتسليط الضوء على طبيعة البناء، وطرق التخطيط وطبيعة المخططات العمرانية من خلال المقابلات مع من عايشوا هذه الظاهرة التاريخية.
وتعتبر قرية نعليا التي كانت تقع على بعد ثلاثة كيلو مترات الى الجنوب الغربي من المجدل، شمال قطاع غزة حالياً، إحدى هذه القرى التي عملت سلطات الاحتلال على تشريد أهلها وتدمير سكانها، ودمجها في محيط عمراني جديد في محاولة لتغيير وتزييف الواقع الجغرافي والتاريخي.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تحاول استعادة المخطط العمراني لقرية نعليا وبيان تأثيره على مختلف نواحي الحياة فيه، سيما وأنه من المعروف أن نمط الاستيطان الريفي هو نتيجة لسلسلة من الثوابت البيئية، وعوامل أخرى متداخلة قد يكون من أهمها ضغط السكان على الأرض، والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة.
أهمية الدراسة:
تتمثل أهمية الدراسة في أنها من الدراسات النادرة التي تسعى الى إعادة وضع تصور حضري للقرى الفلسطينية المدمرة، إعتماداً على روايات من عايشوا هذه الحقبة الهامة في التاريخ الفلسطيني، كخطوة أولى على دراسة الريف الفلسطيني قبل العام 1948، ووضع اللبنة الأولى لمزيد من الدراسات المتخصصة التي تعمل على الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية والهوية الوطنية إعتماداً على الموروث الشفوي لأبناء شعبنا.
وتكمن خصوصية هذه الدراسة في أنها تجمع بين التاريخ والجغرافيا إعتماداً على الروايات الشفوية لبعض الأشخاص الذين عايشوا هذه الحقبة التاريخية، والتوثق منها بمقارنتها بما هو مسطور في كتب التاريخ، والوثائق التي تمكن الباحثان من الاطلاع عليها.
مشكلة الدراسة:
تتمثل مشكلة الدراسة في ندرة المخططات العمرانية الخاصة بالقرى الفلسطينية المدمرة، واختفاء الكثيرين ممن عايشوا تلك الفترة الزمنية عن مسرح الحياة، سواء بالموت أو الهجرة القسرية الى خارج الوطن، مما يهدد باختفاء الموروث الحضاري والتاريخي المتعلق بهذه القرى، خاصة على ضوء أعمال التزييف الواسعة التي تواصل سلطات الاحتلال الاسرائيلي القيام بها، بما في ذلك، تدمير جميع الشواهد الجغرافية والتاريخية في المدن والقرى والبلدات التي تم تدميرها وتهجير سكانها.
وتتمثل مشكلة الدراسة في التساؤل الرئيسي التالي:
ماهي الأنماط التخطيطية والعمرانية التي أتسمت بها القرى الفلسطينية المدمرة قبل العام 1948؟ وينبثق من هذا السؤال الرئيسي العديد من الأسئلة الثانوية على النحو التالي:
1-ماهي العوامل التي أثرت في الأنماط والمخططات العمرانية للقرى الفلسطينية المدمرة؟
2-هل هناك علاقة بين الأنماط والمخططات العمرانية للقرى الفلسطينية المدمرة وبين الأنماط العمرانية والأنشطة الاقتصادية السائدة آنذاك؟
3- ماهو شكل المخطط العمراني لقرية نعليا؟
4-هل هناك تشابه بين هذا المخطط والمخططات الأخرى في القرى الفلسطينية المدمرة؟
5-ماهو التصنيف الجغرافي للمخطط العمراني في نعليا، وبقية القرى الأخرى قياساً على ذلك؟
6-ماهي السمات الجغرافية والتاريخية التي ميزت المخططات العمرانية للقرى المدمرة؟
أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة الى تحقيق عدد من الأهداف لعل من أهمها:
1-التعرف على العوامل التي أثرت في الأنماط والمخططات العمرانية للقرى الفلسطينية المدمرة.
2-بيان العلاقة بين المخططات العمرانية للقرى الفلسطينية المدمرة وبين الأنماط العمرانية والأنشطة الاقتصادية السائدة آنذاك.
3-التعرف على المخطط العمراني الذي اتسمت به قرية نعليا.
4-بيان السمات الجغرافية والتاريخية التي ميزت المخططات العمرانية للقرى المدمرة.
5-إظهار أوجه الشبه والاختلاف بين المخططات العمرانية للقرى الفلسطينية المدمرة والقرى الحالية خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
7- بيان الأسباب والعوامل التي أثرت على المخططات العمرانية للقرى الفلسطينية، والنمط العمراني الذي كان سائداً، سيما وأن لذلك، علاقة وثيقة بطبيعة الحرف والنشاط الاقتصادي الذي كان سائداً.
الدراسات السابقة:
يجب الإشارة هنا الى العديد من الدراسات التي سلطت الضوء على العديد من القرى والبلدات الفلسطينية، خاصة المدمرة منها، ومنها:
1- حكمت عبد الكريم فريحات، ( 2000)، اليامون جغرافيا- تاريخ- فلكلور، حيث تطرقت الدراسة الى جغرافية اليامون، والمواقع الأثرية فيها، بما في ذلك، المقامات وقبور الأنبياء، ولمحة تاريخية عن القرية، كما تطرق الى سكانها، والحياة الاجتماعية والصحية والاقتصادية فيها.
2- محمود صالحة ( 1999)، "المجدل.. عسقلان تاريخ وحضارة"، الطبعة الأولى، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة، حيث هدفت الدراسة الى المحافظة على الهوية الوطنية والتاريخية بهدف إحياء الجذور للحيلولة دون طمسها أو إستبدالها، وقد تطرقت الدراسة الى المجدل- عسقلان عبر التاريخ، وتاريخ صناعة النسيج في المجدل، والمجدل أغاني وتراث.
3- عوني شعبان المقيد ( 1998)، قرية نعليا ذكريات تتحدى الطمس، غزة، حيث هدفت الدراسة الى تسليط الأضواء على قرية نعليا بإعتبارها إحدى القرى المدمرة، وتنمية حب الإنتماء للوطن، وإبقاءه حياً في ذاكرة الأجيال، وحث الكتاب والمهتمين في هذا المجال للعمل الجاد على توسيع دائرة المعلومات عن القرى الفلسطينية المدمرة. وتطرق الباحث في دراسته الى مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية وغيرها في القرية.
4- عبد العزيز عرار وزياد مقبل ( 1985)، بعنوان: " القرية الفلسطينية بين المتحول والثابت"، منشورات دار القلم، رام الله، حيث هدف البحث الى كشف معظم الجوانب المتعلقة بموضوع التغير الاجتماعي والاقتصادي وأرضيتها السياسية التأريخية التي نبتت وترعرعت في ظلالها التغيرات كافة في القرية الفلسطينية، في الوقت الذي يرصد جملة من الثوابت التي حافظت على وجودها رغم توالي العهود السياسية المتعاقبة. وتطرقت الدراسة الى الأطر والسياقات الجغرافية والتاريخية للقرية، والمتغيرات والثوابت في قريتنا الفلسطينية.
نوع الدراسة ومنهجها:
تعتبر هذه الدراسة من الدراسات الاستنباطية التي تهدف الى استنباط ظاهرة معينة والتعرف عليها إعتماداً على مجموعة من الحقائق المتوفرة، وصولاً الى تفصيل هذه الظاهرة بشكل يؤدي الأهداف المرجوة.
واعتمد الباحثان في دراستهما على منهج البحث التاريخي الذي يعرف بأنه مجموعة الطرائق والتقنيات التي يتبعها الباحث التاريخي والمؤرخ للوصول الى الحقيقة التاريخية، وإعادة بناء الماضي بكل وقائعه وزواياه، وكما كان عليه في زمانه ومكانه، وبجميع تفاعلات الحياة فيه (دويدري، 2002، ص 151)، وكذلك، المنهج الوصفي الذي يعرف بأنه أسلوب من أساليب التحليل المركز على معلومات كافية ودقيقة عن ظاهرة أو موضوع محدد، أو فترة أو فترات زمنية معلومة، وذلك من أجل الحصول على نتائج علمية، ثم تفسيرها بطريقة موضوعية، بما ينسجم مع المعطيات الفعلية للظاهرة (دويدري، 2002، ص 183).
المفاهيم الأساسية في الدراسة:
- التخطيط العمراني : هو التخطيط الذي يركز على معالجة كل المدينة والقرية كوحدات عمرانية بحيث تؤدي التطورات المستمرة اقتصادياُ واجتماع ياً وتكنولوجياً الى حدوث تأثيرات عليها، بحيث يهدف التخطيط العمراني الى السيطرة على كيان المدينة او القرية على نحو متوافق مع مع الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ( حيدر، 1994, ص19 )، وهو االذي يعمل على تخطيط المراكز العمرانية تفصيلياً عن طريق تنسيق عناصر التجمع كاستعمالات الارض ، الكثافة السكانية،مشروعات الاسكان،الحي القديم، اتجاهات النمو، طرق المواصلات ، العناصر الطبيعية …الخ ويربطها في اطار نظم المدينة العمرانية او الريفية( عبد القادر، 1986, ص58 )
- القرى الفلسطينية المدمرة : هي القرى الواقعة داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 والتي هجرها سكانها قسرا بسبب مجازر الاحتلال الا سرائيلي ابان هجوم قوات الهاجانا الصهيونية وتدمير هذه القرى وتهجير سكانها وتغيير مورفولوجيتها ويقدر عدد القرى بـ 551 قرية ( ابو سته،1948،ص13 )
- الاستيطان الريفي : وهو عبارة عن شكل من اشكال الاستقرار البشري يختلف عن انماط الاستيطان الاخرى في الشكل، الموضع والموقع،الوظيفة،خصائص السكان،العوامل المؤثرة في نشوء هذه المستوطنات البشرية، وخدماتها وانماطها ومشاكلها (الشامي،1999، ص38 )
- اللبن : هو عبارة عن المادة التي يتم فيها الربط بين حجارة البناء القديم للحافاظ على تماسك المبنى ومواد اللبن الاساسية هي التبن والتراب الجيري والحور .
- المخططات الحضرية : هي عبارة عن الوسائ























